في الثالث من تشرين الثاني المقبل، تُقام انتخابات التجديد النصفي الأميركية، والتي تشمل كل مقاعد مجلس النواب وعددها 435 مقعدًا، إضافة إلى 35 مقعدًا من أصل مئة في مجلس الشيوخ. مع التذكير بأن كل ولاية من الولايات الأميركية الخمسين تتمثل بعضوين اثنين (2 سيناتور) في مجلس الشيوخ، بغض النظر عن حجمها وعدد سكانها، بينما تتمثل كل ولاية بعدد متصاعد في مجلس النواب تبعًا لذلك. فهل خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية ستكبّل يدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وستمنعه من ضرب إيران ومواصلة الحرب عليها؟
بداية، لا بدّ من الإشارة إلى أن الحزب الجمهوري يسيطر حاليًا على 218 مقعدًا في المجلس النيابي الأميركي الحالي، في مقابل 213 مقعدًا للحزب الديمقراطي المعارض. ويكفي بالتالي خسارة الجمهوريين لثلاثة مقاعد فقط وانتقالها إلى يد الديمقراطيين، لتنتقل معها الأغلبية في مجلس النواب من ضفة إلى أخرى! وبالنسبة إلى واقع مجلس الشيوخ الحالي، فهو يقع تحت سيطرة الجمهوريين أيضًا، الذين يملكون 53 مقعدًا فيه، في مقابل 45 مقعدًا للديمقراطيين، إضافة إلى مقعدين بيد مستقلين يصوتان عادة لصالح الديمقراطيين. وبالتالي، في حال تكرار نيل مستقلين لمقعدين، يحتاج الديمقراطيون لانتزاع ما لا يقل عن 4 مقاعد من يد الجمهوريين، لينالوا أغلبية عددية في مجلس الشيوخ المقبل.
وفي انتظار وضوح صورة نتائج الانتخابات بشكل فعلي وليس تقديريًا، الأكيد أن خسارة الجمهوريين للأغلبية في الكونغرس لصالح الديمقراطيين ستغيّر طبيعة الحكم وستنهي حقبة السيطرة الكاملة لإدارة ترامب، من دون أن يعني ذلك عزل الرئيس أو التسبب بعجزه بالكامل على مستوى إصدار القرارات. وفي التفاصيل، إن من شأن خسارة الحزب الجمهوري أغلبيته في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس لصالح الحزب الديمقراطي، وهو ما تراهن عليه طهران حاليًا، أن يجعل الإدارة الأميركية الحالية مكبلة جزئيًا، وأن ينعكس على أربعة مستويات:
أولًا: على صعيد القدرة التشريعية، لن تتمكن إدارة ترامب من تمرير أي قوانين جديدة أو سياسات محلية كبرى، على سبيل المثال لا الحصر، التخفيضات الضريبية الإضافية أو تعديل قوانين الهجرة والحدود، دون موافقة الديمقراطيين. وسيضطر الرئيس الأميركي في المقابل إلى استعمال حق النقض (الفيتو) لوقف مفعول القوانين التي قد ينجح الديمقراطيون في تشريعها. كما سيكون الديمقراطيون –في حال فوزهم– في موقع القادر على عرقلة الميزانيات المالية لأي مشروع مهم، والمساومة على مطالبهم الخاصة عبر مقايضة تمرير الميزانيات بالحصول على مكاسب سياسية مثلًا.
ثانيًا: على صعيد مراقبة طبيعة الحكم والقدرة على إجراء التحقيقات، سينتقل التحكم في لجان الكونغرس الدستورية إلى الديمقراطيين. وسيمتلك هؤلاء سلطة إصدار مذكرات استدعاء للمسؤولين، وفتح تحقيقات في ملفات الإدارة، وطلب الوثائق السرية والمالية، مما يضع البيت الأبيض تحت ضغط ورقابة دائمين.
ثالثًا: على صعيد التعيينات، في حال خسر الحزب الجمهوري مجلس النواب فقط بموازاة تمكّنه من الاحتفاظ بمجلس الشيوخ، سيبقى ترامب قادرًا على تعيين القضاة الفيدراليين والوزراء بسلاسة. أما في حال خسر مجلس الشيوخ أيضًا، فستُشل قدرته على اختيار التعيينات التي يراها مناسبة بشكل تام.
رابعًا: على صعيد العمليات العسكرية، فإن الرئيس ترامب، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، سيحتفظ بالقدرة على إعطاء الأوامر لتوجيه ضربات عسكرية خاطفة ومباشرة، وعلى إدارة الأزمات الأمنية الطارئة دون الحاجة لإذن مسبق وفوري من جانب الكونغرس. لكن الأغلبية البرلمانية العددية ستحاول تقييد المدة الزمنية لأي عملية عسكرية يقوم بها الجيش الأميركي، وتحديد نطاقها الجغرافي، كما ستعمل بطبيعة الحال على تضييق التمويل المالي الضروري لاستدامتها، لكون الكونغرس هو السلطة الوحيدة المخولة تخصيص الميزانيات واعتماد الأموال للجيش الأميركي. وبالتالي، يملك الرئيس ترامب الحق بإصدار أوامر مباشرة للجيش لتنفيذ ضربات جوية أو صاروخية خاطفة، أو حتى شن عمليات عسكرية فورية لحماية الأمن القومي الأميركي دون الحاجة لإذن مسبق من الكونغرس. ويمكنه حتى إرسال قوات عسكرية أميركية إلى الخارج للمشاركة في الحروب، لكن عليه إبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من إصداره هذا النوع من الأوامر. والقانون يشترط عليه أيضًا سحب القوات المرسلة وإنهاء أي عملية عسكرية خلال 60 إلى 90 يومًا، ما لم يمنحه الكونغرس تفويضًا رسميًا بالحرب أو يمدّد الفترة قانونًا. ويستطيع الكونغرس فتح تحقيقات موسعة بشأن شرعية أي هجمات عسكرية وأهدافها، ومساءلة مسؤولي وزارة الدفاع بشأنها، الأمر الذي يشكل ضغطًا سياسيًا وشعبيًا كبيرًا على أي إدارة أميركية حاكمة. كما يستطيع الكونغرس قطع التمويل المالي لأي عمليات عسكرية في حال معارضته لها.
في الخلاصة، حاول الرئيس ترامب منذ أيام أن يسخر من الإيرانيين بالقول إنهم يضيعون الوقت في انتظار نتائج الانتخابات الأميركية، مضيفًا بأنه ليس مرشحًا وسيبقى في الرئاسة لأكثر من سنتين. لكنه أخفى طبعًا حقيقة أن سلطاته وصلاحياته ستتأثر حتمًا إذا خسر حزبه الأغلبية في الكونغرس. صحيح أنه سيبقى قادرًا على شن الحروب، وبالتالي على ضرب إيران، لكن قدرته العملية والسياسية على الاستمرار في خوض صراعات وحروب طويلة الأمد ستواجه قيودًا صارمة.
























































